الأحكام الغيابية في نظام المرافعات الشرعية السعودي

الأحكام الغيابية في نظام المرافعات الشرعية السعودي


تعد الأحكام الغيابية في نظام المرافعات الشرعية السعودي ركيزة أساسية في صيانة الحقوق وتحقيق العدالة الناجزة، حيث تهدف إلى منع المماطلة في أداء الحقوق وضمان عدم تعطل الفصل في الخصومات بسبب غياب أحد أطراف الدعوى ، إن إدراك ماهية هذه الأحكام يساهم في تعزيز الثقة بالمنظومة القضائية، إذ يوفر النظام توازنا دقيقا بين حق المدعي في الحصول على حكم سريع وحق المدعى عليه في الدفاع عن نفسه، مع وضع ضمانات صارمة تمنع استغلال غياب الخصوم للإضرار بمصالحهم دون وجه حق.

​سيتناول هذا المقال  كافة الجوانب المتعلقة بـ الأحكام الغيابية في نظام المرافعات الشرعية السعودي، بدءا من تعريفها وشروط إصدارها، مرورا بكيفية تبليغ الخصوم بالوسائل التقنية الحديثة، وصولا إلى طرق الاعتراض عليها ومدد التقادم المرتبطة بها، مع تسليط الضوء على المواد النظامية المحدثة التي تنظم هذه الإجراءات لضمان أعلى مستويات الشفافية والعدالة.

​مفهوم الحكم الغيابي والفرق الجوهري بينه وبين الحكم الحضوري

الحكم الغيابي في نظام المرافعات الشرعية السعودي هو القرار القضائي الذي يصدره القاضي في موضوع الدعوى دون أن يحضر المدعى عليه أو يقدم مذكرة بدفاعه، وإليك التفاصيل:

  • الحكم الحضوري: هو الذي يصدر إذا حضر الخصوم جميع الجلسات أو غابوا بعد تقديم دفوعهم.
  • الحكم الغيابي: يصدر في حال عدم حضور المدعى عليه إطلاقا وعدم تقديمه مذكرة دفاع.
  • الأثر النظامي: تختلف طرق الاعتراض ومددها بناء على وصف الحكم (حضوري أو غيابي).

​ويعد التمييز بين هذين النوعين أمرا حيويا لتحديد المسار الإجرائي الذي يجب اتباعه بعد صدور الحكم.

تعرف أيضا على تنفيذ الأحكام الأجنبية في السعودية 2025: الشروط والإجراءات النظامية

​شروط إصدار الأحكام الغيابية في نظام المرافعات الشرعية السعودي

​شروط إصدار الأحكام الغيابية في نظام المرافعات الشرعية السعودي
​شروط إصدار الأحكام الغيابية في نظام المرافعات الشرعية السعودي

​لا يصدر الحكم الغيابي بمجرد غياب الخصم، بل وضع المنظم جملة من الاشتراطات  لضمان أن غياب المدعى عليه لم يكن لعذر قهري أو لخلل في عملية التبليغ وفيما يلي أبرز هذه الشروط:

  • تحقق التبليغ الصحيح: يجب أن يثبت للمحكمة أن المدعى عليه بلغ لشخصه أو في محل إقامته وفقا للمواد (13-20) من النظام.
  • انقضاء الموعد: يجب أن يمر الوقت المحدد للحضور المذكور في ورقة التبليغ.
  • عدم وجود عذر: أن لا يقدم المدعى عليه عذرا تقبله المحكمة يبرر غيابه عن الجلسة.

​إن التزام المحكمة بهذه الشروط يجعل من الأحكام الغيابية في نظام المرافعات الشرعية السعودي أحكاما قوية مع بقاء حق المحكوم عليه في إثبات خلاف ذلك عبر طرق التظلم النظامية المتاحة.

​المادة 57 من نظام المرافعات وأثرها في اعتبار الحكم حضوريا

​تعد المادة 57 من أهم المواد التي عالجت مسألة حضور الخصوم وغيابهم، حيث وضعت معايير دقيقة تتحول بموجبها طبيعة الحكم من غيابي إلى حضوري “اعتباري”  وإليك أبرز ما تضمنته:

  • التبليغ الشخصي: إذا بلغ المدعى عليه لشخصه ولم يحضر، فإن الحكم الصادر يعد حضوريا في حقه.
  • تقديم المذكرة: إذا لم يحضر المدعى عليه ولكنه قدم مذكرة بدفاعه، يعتبر الحكم حضوريا.
  • حضور جلسة سابقة: إذا حضر المدعى عليه أي جلسة ثم غاب، فإن الحكم يكون حضوريا اعتبارية.

​وبناء على ذلك، فإن الذكاء النظامي يقتضي من الأطراف الحذر، لأن الغياب بعد التبليغ الشخصي لا يحمي من صدور حكم نافذ، بل قد يحرم الطرف من ميزة وصف الحكم بـ “الغيابي” عند الاستئناف.

​إجراءات تبليغ المدعى عليه إلكترونيا وأثرها على صحة الخصومة

​مع التحول الرقمي في وزارة العدل السعودية، أصبحت التبليغات الإلكترونية عبر منصة “أبشر” أو الرسائل النصية الموثقة لها حجية التبليغ الشخصي. ، وفيما يلي تفاصيل ذلك:

  • منصة نافذ: https://nafith.sa  يتم إرسال التبليغات عبر الوسائل الإلكترونية المعتمدة نظاما.
  • حجية التبليغ: يعتبر التبليغ الإلكتروني تبليغا لشخص المدعى عليه بمجرد وصول الرسالة.
  • التحقق القضائي: يتحقق القاضي من وصول التبليغ عبر الأنظمة المرتبطة قبل السير في الدعوى غيابيا.

​لقد ساهمت هذه الإجراءات في تقليص فترات التقاضي ومنع التحايل بادعاء عدم العلم بالدعوى، مما جعل الأحكام الصادرة أكثر دقة وتوافقا مع واقع الحال التقني المعاصر.

يمكنك أيضا الإطلاع على إدارة تنفيذ الأحكام الحقوقية الرياض

​أثر غياب المدعي عن جلسات المحاكمة وكيفية شطب الدعوى

​ حددت المادة 55 من النظام الإجراءات المتبعة في حال غياب من حرك الدعوى، وإليك التفاصيل:

  • شطب الدعوى: إذا لم يحضر المدعي الجلسة الأولى ولم يتقدم بعذر، للمحكمة حق شطب الدعوى.
  • طلب الاستمرار: يجوز للمدعي طلب استمرار الدعوى بعد الشطب خلال 60 يوما ولمرة واحدة فقط.
  • صرف النظر: إذا غاب المدعي بعد تجديد الدعوى، تقرر المحكمة صرف النظر عنها ولا تسمع إلا بقرار من المحكمة العليا.

​إن حرص المدعي على الحضور هو دليل جديته في اقتضاء حقه، والتهاون في ذلك قد يؤدي إلى ضياع الوقت والجهد وإغلاق ملف القضية دون الحصول على حكم في الموضوع.

​سلطة القاضي في تأجيل الجلسة عند عدم تحقق التبليغ الصحيح

​إذا لم يطمئن القاضي لسلامة التبليغ، فله سلطة الامتناع عن إصدار حكم غيابي وتهدف هذه السلطة إلى تحقيق العدالة المطلقة قبل الفصل في الحقوق، وفيما يلي أبرز ملامحها:

  • إعادة التبليغ: للقاضي أمر المدعي بإعادة تبليغ الخصم إذا ظهر نقص في البيانات.
  • التأجيل للبحث: يمكن تأجيل الجلسة للتحقق من عنوان المدعى عليه عبر الجهات المختصة.
  • الندب والتحري: في حال مجهولية العنوان، يتم التبليغ عن طريق إمارة المنطقة وفق إجراءات محددة.

​هذه السلطة التقديرية تحمي الأحكام الغيابية في نظام المرافعات الشرعية السعودي من البطلان، وتجعل الحكم الصادر مبنيا على إجراءات نظامية سليمة لا يمكن الطعن فيها بسهولة.

إقرأ أيضا امتناع الإدارة عن تنفيذ الأحكام القضائية الصادرة ضدها

​آلية الاعتراض على الأحكام الغيابية أمام محاكم الاستئناف السعودية

​آلية الاعتراض على الأحكام الغيابية أمام محاكم الاستئناف السعودية
​آلية الاعتراض على الأحكام الغيابية أمام محاكم الاستئناف السعودية

​منح النظام المحكوم عليه غيابيا حق الاعتراض على الحكم وقد شهدت طرق الاعتراض تحديثات تهدف إلى تسريع وتيرة العمل القضائي، وإليك التفاصيل:

  • مدة الاعتراض: تكون المدة عادة 30 يوما من تاريخ تبليغ المحكوم عليه بالحكم.
  • طريقة الاعتراض: يتم تقديم مذكر اعتراضية عبر بوابة “ناجز” لمحكمة الاستئناف.
  • أثر الاعتراض: يؤدي الاعتراض إلى مراجعة الحكم وقد يتم نقضه إذا ثبت وجود عذر شرعي للغياب.

وبذلك يضمن الاعتراض أن الأحكام الغيابية في نظام المرافعات الشرعية السعودي ليست أحكاما قطعية غير قابلة للمراجعة، بل هي خاضعة لرقابة محاكم الدرجة الثانية.

​تتجلى أهمية فهم الأحكام الغيابية في نظام المرافعات الشرعية السعودي في كونه صمام أمان يمنع تعطيل مصالح الناس ويوفر إطارا زمنيا واضحا لإنهاء الخصومات ، حيث أن النظام السعودي لم يترك ثغرة للمماطلين، وفي الوقت ذاته لم يغلق الباب أمام من غاب لعذر صحيح،

مما يجسد مفهوم العدالة الشاملة التي توازن بين سرعة الفصل ودقة الحكم و​لقد استعرضنا في هذا المقال التفصيلي رحلة الأحكام الغيابية في نظام المرافعات الشرعية السعودي من لحظة غياب الخصم وحتى مرحلة التنفيذ الجبري، موضحين الدور الجوهري للمادة 57 والتحولات الرقمية في التبليغ .

قم بتقييم المقالة

لا يوجد تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *