مبدأ المشروعية في النظام السعودي يعد أحد الركائز الأساسية التي يقوم عليها البناء النظامي والإداري في المملكة، فهو المبدأ الذي يلزم جميع السلطات والجهات الحكومية بالعمل في إطار النصوص الشرعية والأنظمة المرعية، بما يضمن احترام الحقوق وتحقيق العدالة واستقرار المعاملات ولا يمكن تصور إدارة فعالة أو قضاء منصف دون التزام راسخ بهذا المبدأ الذي يجسد سيادة النظام على الجميع.
وفي هذا المقال سنتناول تعريف مبدأ المشروعية من الناحية النظامية والفقهية، والأساس الشرعي الذي للمبدأ ، مع بيان دور النظام الأساسي للحكم في تكريسه، ثم نوضح أثر الرقابة القضائية في حمايته، وأهميته في مكافحة الفساد الإداري، وعلاقته بالقرارات التأديبية للموظفين العموميين، كما سنتوقف عند الصلة الوثيقة بينه وبين حماية الحقوق والحريات، وامتداده ليشمل ضمان حقوق المستثمرين في السعودية في ظل بيئة نظامية عادلة وشفافة.
ما هو مبدأ المشروعية في النظام السعودي وتعريفه النظامي والفقهي
مبدأ المشروعية في النظام السعودي، يعني خضوع جميع تصرفات المملكة والأفراد لأحكام الشريعة الإسلامية والأنظمة المرعية.
هذا المبدأ يرتكز على أن لا أحد فوق النظام، وأن سلطات المملكة مقيدة بما نصت عليه النصوص الشرعية والأنظمة.
وقد نصت المادة (7) من النظام الأساسي للحكم على أن الحكم في المملكة يستند إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، مما يجعل المشروعية مرتبطة ارتباطا وثيقا بالشريعة الإسلامية.
ومن هنا يمكن القول إن مبدأ المشروعية يقوم على ثلاثة عناصر رئيسية: الشرعية المستمدة من الشريعة، الالتزام بالأنظمة واللوائح، والرقابة القضائية على السلطات.
الأساس الشرعي لمبدأ المشروعية في المملكة العربية السعودية
يستمد مبدأ المشروعية في النظام السعودي جذوره من أحكام الشريعة الإسلامية التي تعد المرجعية العليا للأنظمة.
فالقرآن الكريم والسنة النبوية وضعا أصول الحكم والعدل والرقابة على السلطة، مثل قوله تعالى: “إن الله يأمر بالعدل والإحسان”، وهو دليل على أن العدالة هي قاعدة الحكم.
كما أن السنة النبوية جاءت تؤكد أن الحاكم مقيد بالشرع وليس مطلق اليد.
وتبعا لذلك، فإن أي نص نظامي في المملكة لا يجوز أن يخالف الشريعة، وانطلاقا من هذا الأساس الشرعي، صدرت الأنظمة المختلفة التي تحدد اختصاصات السلطات وتضبط أعمالها.
تعرف أيضا على المنافسة غير المشروعة في النظام السعودي – دليل شامل لحماية الأعمال
دور النظام الأساسي للحكم في تكريس مبدأ المشروعية
النظام الأساسي للحكم يعد المرجع الأبرز لتطبيق مبدأ المشروعية في النظام السعودي
فقد نصت المادة (48) على أن المحاكم تطبق أحكام الشريعة الإسلامية والأنظمة التي لا تتعارض معها.
كما نصت المادة (55) على أن الملك يمارس سلطاته وفق الشريعة والأنظمة.
هذا الإطار النظامي يوضح أن جميع مؤسسات المملكة يجب أن تستند في أعمالها إلى النصوص النظامية الصادرة بمرسوم ملكي أو بقرار مجلس الوزراء أو بسلطة تنظيمية مخولة.
الرقابة القضائية وأثرها في حماية مبدأ المشروعية

لا يتحقق مبدأ المشروعية في النظام السعودي إلا من خلال رقابة فعالة يمارسها القضاء.
وقد أسند هذا الدور إلى القضاء الإداري المتمثل في ديوان المظالم، حيث يتولى النظر في المنازعات الإدارية والرقابة على مشروعية القرارات الصادرة عن الجهات الحكومية.
ووفقا للمادة (13) من نظام ديوان المظالم، تختص المحاكم الإدارية بالفصل في الطعون المقدمة ضد القرارات الإدارية النهائية.
وهذا يعني أن أي قرار يخالف الشريعة أو الأنظمة يمكن إبطاله عن طريق القضاء وهنا يظهر الدور المحوري للرقابة القضائية في صون الحقوق وحماية الأفراد من أي تجاوز للسلطة.
دور مبدأ المشروعية في مكافحة الفساد الإداري
تظهر التجربة العملية أن مبدأ المشروعية في النظام السعودي يلعب دورا جوهريا في مكافحة الفساد الإداري والمالي.
فالتقيد بالنصوص النظامية يمنع استغلال السلطة لتحقيق منافع شخصية أو إصدار قرارات مخالفة للمصلحة العامة.
مبدأ المشروعية في والقرارات التأديبية للموظفين العموميين
الجزاءات الإدارية مثل الفصل أو الخصم من الراتب أو الإنذار يجب أن تستند إلى نص نظامي واضح في نظام الخدمة المدنية أو نظام الانضباط الوظيفي الجديد الصادر بالمرسوم الملكي (م/51) لعام 1443هـ.
كما يجب أن تكون الإجراءات المتبعة عادلة، كإتاحة حق الدفاع للموظف وسماع أقواله.
أي مخالفة لهذه الضمانات تجعل القرار غير مشروع وقابلا للإلغاء أمام ديوان المظالم. وهذا يعكس أن المشروعية لا تحمي فقط الأفراد العاديين بل تمتد أيضا إلى حماية الموظف العام من التعسف الإداري.
العلاقة بين مبدأ المشروعية وحماية الحقوق والحريات
من أبرز مظاهر أهمية مبدأ المشروعية في النظام السعودي أنه يمثل الدرع الحامي للحقوق والحريات. فالمشروعية تمنع إصدار أي قرار أو لائحة أو تنظيم ينتهك الحقوق المكفولة للمواطنين والمقيمين.
على سبيل المثال، نصت المادة (36) من النظام الأساسي للحكم على أن الدولة توفر الأمن لمواطنيها والمقيمين على إقليمها، ولا يجوز تقييد حرية أحد إلا وفقا للأنظمة.
وهذا يبرز أن المشروعية وسيلة عملية لحماية الأفراد من التعسف وضمان ممارستهم لحقوقهم المشروعة.
تطبيقات عملية لمبدأ المشروعية في السعودية
يمكن رصد العديد من التطبيقات العملية التي تجسد مبدأ المشروعية في النظام السعودي. على سبيل المثال:
- إلزام الموظف العام بالعمل في حدود اختصاصه، وأي قرار يتجاوز سلطته يعد باطلا.
- ضرورة صدور اللوائح التنفيذية للأنظمة بقرارات تنظيمية واضحة تنشر في الجريدة الرسمية “أم القرى”.
- إمكانية الطعن في القرارات الإدارية أمام ديوان المظالم إذا تجاوزت الأنظمة.
هذه التطبيقات العملية تعكس أن المشروعية ليست مجرد التزام نظري، بل هي آلية فعالة تعمل بها مؤسسات المملكة.
أثر مبدأ المشروعية على حماية حقوق المستثمرين في السعودية

مع توسع الاقتصاد السعودي واستقطاب الاستثمارات الأجنبية، برزت أهمية مبدأ المشروعية كضمانة أساسية لحماية حقوق المستثمرين.
إذ يوفر المبدأ بيئة نظامية واضحة تلزم الجهات الحكومية بالشفافية وعدم التمييز بين المستثمر المحلي والأجنبي.
وقد جاء نظام الاستثمار الأجنبي الجديد ليرسخ هذه القاعدة، عبر منح المستثمر حق الاعتراض على القرارات الإدارية المخالفة، وضمان الفصل فيها أمام القضاء الإداري.
مبدأ المشروعية في النظام السعودي يمثل الدعامة الجوهرية التي تضمن خضوع جميع القرارات والإجراءات للأنظمة المستمدة من الشريعة الإسلامية، وهو ما يحقق الانضباط المؤسسي ويحمي الحقوق ويعزز ثقة المجتمع في أجهزة المملكة ،فوجود هذا المبدأ يحول دون التعسف في استخدام السلطة، ويعد خط الدفاع الأول ضد الفساد الإداري والانحراف عن الصالح العام ، وبالعودة لما تم عرضه في هذا المقال،
فقد وقفنا على تعريف مبدأ المشروعية وأساسه الشرعي والفقهي، ودور النظام الأساسي للحكم في تكريسه، إضافة إلى أثر الرقابة القضائية في ضمان احترامه، وانعكاساته المباشرة على مكافحة الفساد وصيانة الحقوق والحريات، بل وحماية المستثمرين وتعزيز البيئة الاستثمارية ، وبذلك يظل مبدأ المشروعية حجر الزاوية في بناء دولة مؤسسات راسخة تستمد قوتها من الالتزام بالشرع والنظام.

لا يوجد تعليق